التعبير القرآني بصيغة الماضي للأحداث التي تحصل في الآخرة للدلالة على تحقق وقوعها وقطعيتها، فكأنها وقعت بالفعل تأكيدًا لوعد الله.
ما سبب التعبير القرآني عن الأمور المستقبلية بصيغة الماضي؟
السؤال 611898
(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)، لماذا يستخدم لفظ (وقاهم، جزاهم) بصيغة الماضي على الرغم من أن هذه احداث في الحياة الاخرة، ولم تحدث بعد؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
ليست هذه الطريقة من طرائق البيان خاصة بالقرآن الكريم، فهي من سنن العرب في بيانها ومنطقها: أنها ربما عبرت بفعل ماضٍ، في خبر عن أمر مستقبل. وربما عكست، فعبرت بالفعل المضارع، وإنما هو خبر عن أمر ماض.
قال ابن فارس رحمه الله: "باب الفعل يأتي بلفظ الماضي وهو راهنٌ أو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماضٍ:
قال الله جلّ ثناؤه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أي: أنتم. وقال جلّ ثناؤه: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ أي: يأتي ويجيء بلفظ المستقبل وهو في المعنى ماضٍ. قال الشاعر:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسبُّني … فَمَضيْتُ عنه وقلتُ لا يعنيني
فقال: "أمُرُّ" ثم قال: "مضيت". وقال:
وما أضْحِي ولا أمسَيْتُ إلا … رأوْني منهمُ في كرفان
وفي كتاب الله جل ثناؤه: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ. وقال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ، أي ما تَلَتْ.
وقال آخر:
وندمان يزيد الكأس طيباً … سقيت إذا تغوَّرت النجوم
ومثله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ المعنى: فلم عذَّب آباءكم بالمسخ والقتل? لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَؤْمَر بأن يحتجّ عليهم بشيء لم يكن، لأن الجاحد يقول: إني لا أعذَّب، لكن احتج عليهم بما قد كان". انتهى من "الصاحبي في فقه اللغة، وسنن العرب في كلامها" (ص167)، وينظر: "فقه اللغة" للثعالبي (228).
ثانياً:
وأما النكتة البلاغية في هذه المخالفة في التعبير، بين زمن الفعل، والصيغة المعبرة عنه، فقد قال العلماء فيها: إن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، إنما هي تقرير تحقق وقوع ذلك الفعل، بحيث لا يحتمل شكا ولا ريبا؛ فكأنه قد مضى. قال الله تعالى: وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ [الأعراف: 43].
قال ابن جزي، رحمه الله في تفسيره: «وإنما قال: (نزعنا)، بلفظ الماضي، وهو مستقبل= لتحقق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبِّر عن الواقع.
وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة؛ كقوله: (نادى أصحاب الجنة)، (ونادى أصحاب الأعراف)، (ونادى أصحاب النار)، وغير ذلك». انتهى، من "تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل" (1/ 288).
وقال الأمين الشنقيطي رحمه الله:
"والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه: كثير في القرآن، كقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) الآية، وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار) الآية، وقوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية.
فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزَّل تحققَ وقوعها، منزلة الوقوع" انتهى من "أضواء البيان" (3/ 253 ط عطاءات العلم)".
وقال ابن عاشور رحمه الله: " وإنما جاء: (فأوردهم)، بصيغة الماضي، للتنبيه على تحقيق وقوع ذلك الإيراد، وإلا فقرينة قوله: (يوم القيامة): تدل على أنه لم يقع في الماضي" انتهى من "التحرير والتنوير" (12/ 156).
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية" (3/ 164):
"المراد بقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: قرب وقت إتيان القيامة، وإنما عبر بصيغة الماضي تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع، واقتراب الساعة المذكور هنا بينه جل وعلا في مواضع أخر. كقوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)، وقوله جل وعلا: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي، لتحقق وقوعه: كثير في القرآن، كقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) الآية. وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ) الآية. وقوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زمرا) الآية". انتهى.
وعلى ذلك؛ فالآيات المذكورة في السؤال: هي من هذا الباب، وهو كثير في القرآن الكريم، وفي لغة العرب أيضا، كما سبق نقله وبيانه.
قال النيسابوري رحمه الله:
"وحين أخبر عن أعمال الأبرار، وإخلاصهم: ذكر ما سيجزيهم على ذلك.
وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماضي، قائلا (فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ)" انتهى من "تفسير النيسابوري" (6/ 414).
وجاء في "التفسير المنير للزحيلي" (29/ 291):
"والتعبير بقوله: (فَوَقاهُمُ) و (لَقّاهُمْ) بصيغة الماضي، لتأكيد تحقق الوعد".
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (34234)، (165680).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟