ما حكم دعاء (اللهم بلغنا رمضان، غير فاقدين ولا مفقودين)؟

السؤال 619533

بمناسبة قرب شهر رمضان، في بعض الناس يدعون "اللهم بلغنا شهر رمضان، غير فاقدين ولا مفقودين"، لكن طلع الدعاء ذا بدعة؛ وذلك لسبب تعدي الحدود وأن الموت حق.
سؤالي هو:
لما هذا الدعاء بدعة، في حين أن هناك أدعية تشبه معناها، مثل الله يحفظك ويطول بعمرك؟ أذلك بسبب وزنيّة المعنى أم أن المعنى يفرق في الدعاءين؟

ملخص الجواب

لا بأس بأن يدعو الإنسان: "اللهم بلغنا رمضان، غير فاقدين ولا مفقودين"، ولا يُعارض ذلك القضاء.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

روى عبد الله بن الإمام أحمد في "زوائد المسند" (2346) والطبراني في "الأوسط" (3939) والبيهقي في "الشعب" (3534) وأبو نعيم في "الحلية" (6/269) من طريق زَائِدَة بْن أَبِي الرُّقَادِ قَالَ: نا زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ.

والحديث ضعفه النووي في "الأذكار" (ص189)، وابن رجب في "لطائف المعارف" (ص121) والألباني في "ضعيف الجامع" (4395).

وقد سئل الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله: ما صحة حديث: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)؟

فأجاب:

" هذا حديث لا يثبت، لكن إن دعا المسلم بأن يبلغه الله عز وجل رمضان، وأن يوفقه لصيامه وقيامه، وأن يوفقه لإدراك ليلة القدر، أي بأن يدعو أدعية مطلقة فهذا إن شاء الله لا بأس به ". انتهى من موقع الشيخ.

انظر: إجابة رقم: (202017).

ثانيًا:

الأصل في الدعاء أنه مشروع، ما لم يشتمل على إثم أو تعد، وظاهر الدعاء المذكور أن معناه: ألا نفقد قبل ورود رمضان حبيبا ولا يفقدُنا حبيب، وهذا لا حرج فيه؛ لأنه ليس فيه تعدٍّ ولا إثم ولا قطيعة. ولا يُعد اعتراضًا على القدر.

وقد جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (24/203-204) :

" باب الأدعية واسع ، فليدع العبد ربه بما يحتاجه مما لا إثم فيه .

أما الأدعية والأذكار المأثورة : فالأصل فيها التوقيف من جهة الصيغة والعدد ، فينبغي للمسلم أن يراعي ذلك ، ويحافظ عليه ، فلا يزيد في العدد المحدد ، ولا في الصيغة ، ولا ينقص من ذلك ولا يحرف فيه " انتهى .

ينظر: (324924)، (102600).

والقول بأنه بدعة لا وجه له؛ لأن الشرع لم يوجب أن يكون كل الدعاء من المأثور.

قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل: كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ رواه مسند أحمد (25/ 234)، وأبو داود (792)، وابن ماجه (910)، صحح إسناده البصيري في "مصباح الزجاجة" (1/143)، وصححه الألباني.

ولا مانع أن يدعو الإنسان ربه أن يؤخر أجله حتى يعمل صالحًا، أو حتى يفرح برؤية شيء يجوز الفرح به؛ كما في دعاء سعد بن معاذ رضي الله عنه في غزوة الأحزاب (الخندق)؛ فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: "رُمِيَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ(أي: عِرْقٌ فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ)، فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّارِ(أي قطع الدم عنه بالكي)، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَحَسَمَهُ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَنَزَفَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: اللهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ، وَتُسْتَحْيَا نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، لِيَسْتَعِينَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَصَبْتَ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ "، وَكَانُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ قَتْلِهِمْ، انْفَتَقَ عِرْقُهُ، فَمَاتَ". رواه أحمد (23/90)، والترمذي (1582)، والنسائي في السنن الكبرى (8626)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني.

وشرح المعاني من "تحفة الأحوذي" (5/171) وفيه: "( فَنَزَفَهُ) أي خرج منه دم كثير حتى ضعف (فَحَسَمَهُ أُخْرَى) أي مرة أخرى (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) أي فلما رأى سعد عدم قطع الدم" انتهى.

والدعاء قد يرد القضاء، وليس هذا تغييرًا لما في اللوح المحفوظ، ولا تغييرًا لما في علم الله، فقد علم الله تعالى أن سيدعو، ويستجيب له، وكل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، وأما تغيير ما كُتب في الصحف التي في أيدي الملائكة فهو ثابت ، لا مانع منه،  دل عليه حديث سَلْمَانَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ رواه الترمذي (2139) وحسنه الألباني. وهو عند أحمد (22386) وابن ماجه (90) من حديث ثوبان بلفظ: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وحسنه الألباني.

وبوّب الإمام البخاري في "الصحيح"، بابا، قال فيه: " بابُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِخَادِمِهِ بِطُولِ الْعُمُرِ وَبِكَثْرَةِ مَالِهِ ".

ثم روى فيه الحديث رقم (6344)، ورواه أيضا مسلم (2480): عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قالَ: "قالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ. قالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ ‌مَالَهُ ‌وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ.

انظر: إجابة رقم: (585624)، (264354).

ثالثًا:

هذا الدعاء ونحوه من دعاء المسلم، وذكره، مما ليس مأثورا بلفظه، لكن صح معناه: مباح، مشروع، وقد يكون ذلك فاضلا في حق شخص ينتفع به. لكن مثل ذلك لا يتخذ وردا دائما، ولا يسلك به مسلك الأدعية المأثورة الموظفة على الأوقات والأسباب؛ بل هو من كلام الناس، ودعائهم؛ فلا هو سنة راتبة للناس؛ يلزمونها، ويعتادونها. ولا هو في نفسه بدعة، ولا مخالفة إذا قاله المرء حينا، أو دعا به. وإن كان لا يدعو غيره إليه!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، والاتباع، لا على الهوى والابتداع .

فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان .

وما سواها من الأذكار قد يكون محرما، وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.

وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به .

بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا ، من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يُعلم أنه يتضمن معنى محرما : لم يجز الجزم بتحريمه ... " انتهى. "مجموع الفتاوى" (22 / 510 – 511).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (270481)، ورقم: (246839).

الحاصل:

لا بأس بأن يدعو الإنسان: "اللهم بلغنا رمضان، غير فاقدين ولا مفقودين" فالجملة الثانية مؤكدة للأولى. وليس فيها معارضة لقضاء الله وقدره، فإن الدعاء قد يرد القضاء.

والله أعلم.

المراجع

الدعاء

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android