الآية الكريمة تتحدث عن الذين يرمون المحصنات الغافلات؛ بأنَّ جوارحهم تشهد عليهم بما قالوا من الإفك والبهتان في قذف المحصنات، وليست خاصة بالكفار.
هل قوله تعالى (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ...) خاص بالكافرين؟
السؤال 628090
هل الآية الكريمة التي تقول: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة النور/24، تختص الكفار فقط؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
جاء سياق الآية الكريمة في الحديث عن الذين يرمون المحصنات الغافلات وما يلحقهم من الوعيد واللعن والعذاب العظيم، ثم ذكر الحال الذي يحصل لهم من اعتراف جوارحهم عليهم بما قالوا من الإفك والبهتان في قذف المحصنات.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النور/ 23-24.
فالذين تشهد عليهم ألسنتهم وايديهم وأرجلهم عليهم يشمل كل قاذف للمحصنات سواء كفر بذلك القذف كمن يقذف أمهات المؤمنين أو الذي وقع في الفسق بسبب قذف غير أمهات المؤمنين من المحصنات الغافلات.
قال ابن الجوزي رحمه الله:
قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) هو إقرارها بما تكلموا به من الفرية. قال ابو سليمان الدمشقي: وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم.
وقال ابن كثير رحمه الله:
"هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات -خرج مخرج الغالب -المؤمنات.
فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق، رضي الله عنهما، وقد أجمع العلماء، رحمهم الله، قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن" انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 31).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"وقَوْلهُ: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) اللِّسَان يشهد على الْإِنْسَان لكن كَيْفَ يشهد؟
يَقُول لهذَا القاذِف للمحصنة الغافِلة المُؤْمِنة: إنك قذفتها، لسانه نفسه يَقُول: إنك قذفتها، مع أن العَمَل في الدُّنْيَا عمل اللِّسَان في الحقيقَة، ومع ذَلِك يشهد اللِّسَان على صاحبه بهَذَا القَوْل الَّذِي هو القَذْف" انتهى من "تفسير العثيمين: النور" (ص135).
وجاء في "التفسير الوسيط للزحيلي" (2/ 1742):
"ثم أخبر الله تعالى أن عذاب القاذفين يوم القيامة يكون بشهادة أعضائهم عليهم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا من قول أو فعل، بأن ينطقها الله بقدرته، كما جاء في آية أخرى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: 41/ 21]"
ثانياً:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) تشمل الشهادة عليهم بما فعلوا من القذف، وبسائر أعمالهم السيئة.
قال الألوسي رحمه الله:
"والكلام مسوق لتهويل اليوم بتهويل ما يحويه كأنه قيل: يوم تشهد عليهم أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال.
على أن الموصول المذكور: عبارة عن جميع أعمالهم السيئة، وجناياتهم القبيحة؛ لا عن جناياتهم المعهودة فقط". انتهى، من "تفسير الألوسي" (9/ 324)، وهو مأخوذ من تفسير أبي السعود للآية نفسها (6/166).
ومراده بـ"الموصول المذكور": هو (ما) في قوله (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال الأمين الشنقيطي رحمه الله:
"قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)).
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون.
وبين في غير هذا الموضع أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه يوم القيامة غير اللسان، كقوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) إلى قوله تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)" "أضواء البيان" (6/ 185).
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (108955)، (178842)، (258708).
والله اعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟