مكروهات الصلاة:
أولًا: العبث في الصلاة.
العبث: هو أن يلعب بيده ويعمل حركات غير مشروعة ؛ فإن كانت يسيرة فهي مكروهة، وإن كانت كثيرة متوالية تبطل الصلاة. انظر: إجابة رقم (228364).
والحركةُ المكروهةُ في الصلاة : هي الحركة اليسيرة بلا حاجةٍ.
والعبث مكروه في الصلاة بالإجماع.
قال ابن عبد البر رحمه الله: "في هذا الحديث: النهيُ عن اللعب بالحصباء والعبث بها في الصَّلاة، وهو أمرٌ مُجتمَع عليه، وكذلك غير الحصباء" انتهى من "الاستذكار" (1/477).
وقال ابنُ قُدامة رحمه الله في "المغني" (2/9): "ويُكرَه العبثُ كلُّه، وما يَشغل عن الصلاة ويَذهب بخشوعها، ... ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كلِّه اختلافًا".
عن عليِّ بنِ عبد الرَّحمنِ المعاوي قال: "رآني عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم وأنا أَعبَثُ بالحَصباءِ في الصَّلاة، فلمَّا انصرَف نَهاني، وقال: اصنعْ كما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُ، فقلت: وكيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنعُ؟ قال: كان إذا جلَسَ في الصَّلاة وضَعَ كفَّه اليُمنى على فخذِه اليُمنى، وقبَض أصابعَه كلَّها، وأشار بإصبعِه التي تَلِي الإبهامَ في القِبلة، ورمَى ببصرِه إليها أو نحوها، ووضَع كفَّه اليُسرى على فَخذِه اليُسرى، وقال: هكذا كان يَفعلُ" رواه مسلم (580).
ومن صور العبث فرقعةُ الأصابعِ في الصلاة، فعن شعبةَ مولى ابن عبَّاس قال: صلَّيت إلى جنب ابن عبَّاس، ففقَّعت أصابعي, فلما قضيتُ الصلاةَ قال: لا أمَّ لك! تفقع أصابعك وأنت في الصلاة؟! رواه ابن أبي شيبة (2/344) وقال الألباني في "إرواء الغليل" (2/99): سنده حسن. كذلك مِن صُور العبثِ في الصَّلاة كثرةُ تعديل اللباس من غترة وعقال ونظر إلى الساعة وغير ذلك.
قال الشيخ ابن بازٍ رحمه الله: "أو حركات غير مشروعة فيها، كالذي يحدث من البعض عبثًا؛ من كثرة تعديل لباسه، من غترة وعقال ونظر إلى الساعة، أو تمسيح شعر لحيته ونحو ذلك، بعد الإحرام بها، كلُّ هذا مما ينافي الخشوع الذي هو لبُّ الصلاة ورُوحها، وسببُ قبولها، أو ينقصه أو يضعفه" "مجموع فتاوى ابن باز" (12/9).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الحركةُ المكروهةُ: وهي الحركة اليسيرة بلا حاجةٍ، هي مكروهة، لأنَّها عبثٌ منافٍ للخشوع، كما نشاهده في كثير من الناس ينظرُ إلى السَّاعة وهو يصلِّي، أو يصلح غترته، أو يذكِّره الشيطان وهو في صلاته أمرًا نسيه، فيخرج القلم ويكتب الذي نسيه؛ لئلا يضيِّعه بعد ذلك، وأمثلتها كثيرة". انتهى من "مجموع الفتاوى" (12/503).
وانظر: إجابة رقم (195331)، وأحكام الحركة في الصلاة إجابة رقم (12683).
ثانيًا:
يُكره الالتفاتُ في الصَّلاةِ لغيرِ حاجة.
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالتْ: "سألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن التِفاتِ الرَّجُلِ في الصَّلاةِ، فقال: هو اختلاسٌ يَختلِسُه الشَّيطانُ مِن صلاةِ أَحدِكم" رواه البخاري (3291).
والالتفات مكروه بالإجماع؛ قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله: "وأمَّا حديثُه عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه لم يكُن يلتفتْ في صلاة، فهذه السُّنَّة المجتمَع عليها، والالتفات مكروهٌ عند الجميع إذا رمَى ببصره، وصعد عنقه يمينًا أو شمالًا" انتهى من "الاستذكار" (2/313).
وقال ابنُ حجر رحمه الله في "فتح الباري" (2/234).: "قوله: (باب الالتفات في الصَّلاة) لم يبيِّن المؤلِّف حُكمه، لكن الحديث الذي أوردَه دلَّ على الكراهة، وهو إجماعٌ" انتهى.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (27 /109) : "وَالْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ أَوِ الْعُذْرِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ : كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يُكْرَهْ " انتهى .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : " الالتفات في الصلاة للتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند الوسوسة لا حرج فيه، بل هو مستحب عند شدة الحاجة إليه بالرأس فقط " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (11/130). وانظر: إجابة رقم (160647).
والمراد بالالتفات: الالتفات بالبصر والوجه ، أما بالصدر فتبطل به الصلاة؛ ففي الدر المختار وحاشية ابن عابدين (1/643): "(والالتفات بوجهه) كله، (أو بعضه)؛ للنهي. وببصره: يكره تنزيها. وبصدره: تفسد" انتهى.
ثالثًا:
يُكرَهُ استقبالُ المصلي ما يُشغله في الصَّلاةِ، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
قال النوويُّ رحمه الله: "يُكره أن يُصلِّي وبين يديه رجلٌ أو امرأة يستقبله ويراه، وقد كرهه عمرُ بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، ولأنه يَشغل القلبَ غالبًا، فكُرِهَ، كما كُرِه النظرُ إلى ما يُلهيه، كثوب له أعلام، ورفْعُ البصر إلى السَّماء، وغيرُ ذلك" من "المجموع" (3/251).
وقال الخطيب الشِّربينيُّ، الشافعي رحمه الله: "ويُكره نظَرُ ما يلهي عن الصَّلاة، كثوب له أعلام؛ لخبر عائشةَ" انتهى من"مغني المحتاج" (1/201).
والدليل على ذلك: عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى في خَميصةٍ لها أعلامٌ، فنَظَر إلى أعلامها نظرةً، فلمَّا انصرف قال: "اذْهَبوا بخَميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ وآتوني بأنبجانيَّة أبي جهمٍ؛ فإنَّها ألْهَتْني آنفًا عن صلاتِي" رواه البخاري (373)، ومسلم (556).
وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: كان قِرامٌ لعائشة قد سترَتْ به جانبَ بيتها، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أَمِيطي عنَّا قِرامَكِ هذا؛ فإنَّه لا تزالُ تصاويرُه تَعرِضُ لي في صلاتي" رواه البخاري (374). وينظر: إجابة رقم (162827).
رابعًا:
يكره ابتداء الصلاة بحضرة طعام يشتهيه، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
في مراقي الفلاح مع حاشية الطحطاوي (ص: 359): "تكره بحضرة طعام يميل" طبعه إليه" انتهى.
وقال ابنُ جُزي رحمه الله: "وأمَّا "المكروهات"، فهي: صلاةُ الرجل وهو يُدافِعُ الأخبثين: .. أو بحضرة الطعام" "القوانين الفقهية" (1/39)، ويُنظر: "المدونة الكبرى" لسحنون (1/139).
وفي منهاج الطالبين (ص: 14): "يكره الالتفات إلا لحاجة...أو بحضرة طعام يتوق إليه" انتهى.
وفي شرح منتهى الإرادات (1/ 209): "ويكره أن يبتدئها (تائقا)، أي: مشتاقا (لطعام ونحوه) كجماع وشراب، ... (ما لم يضق الوقت) عن المكتوبة، أي: عن فعل جميعها فيه (فتجب) المكتوبة (ويحرم اشتغاله بغيرها) إذن، لتعين الوقت لها" انتهى.
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: "لا صَلاةَ بحَضرةِ الطَّعامِ، ولا هو يُدافِعُه الأخبثانِ" رواه مسلم (560).
وعن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إذا وُضِعَ عَشاءُ أحدِكم وأُقيمتِ الصَّلاة، فابْدؤوا بالعَشاءِ، ولا يَعجلْ حتى يَفرغَ منه" رواه البخاري (673)، ومسلم (559).
وكان ابنُ عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهما: "يُوضَعُ له الطَّعامُ، وتُقامُ الصَّلاةُ، فلا يأتيها حتى يفرغَ، وإنَّه ليَسمَعُ قِراءةَ الإمامِ" رواه البخاري (673)، ومسلم (559).
ويتضح من كلام الفقهاء أنه يُشترط في تقديم الطعام على الصلاة أربعة شروط:
1. أن يكون الطعام حاضرًا. 2- أن تتوق نفسه إليه. 3- ألا يضيق الوقت عن فعل الصلاة جميعًا. 4- أن يكون قادرًا على تناوله، شرعًا أو حسًا؛ شرعًا. (فلا يكون صائمًا)، أو حسًا (فلا يكون الطعام حارًا يحتاج إلى انتظار). انظر: الشرح الممتع (3/328-329).
ومما يدلّ على أنه يُشترط أن تتوق نفسه وتتشوف للطعام: ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من العلة في ذلك؛ وهو تشويش الخاطر بحضور الطعام، مما يفضي إلى ترك الخشوع؛ قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (2/161): "وروى سعيد بن مَنْصُور وابن أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وابن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ طَعَامًا وَفِي التَّنُّورِ شِوَاءٌ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاسٍ: (لَا تَعْجَلْ لِئَلَّا نَقُومَ وَفِي أَنْفُسِنَا مِنْهُ شَيْء)، وَفِي رِوَايَة ابن أَبِي شَيْبَةَ (لِئَلَّا يَعْرِضَ لَنَا فِي صَلَاتِنَا)، وَله عَن الْحسن بن عَلِيٍّ قَالَ: (الْعَشَاءُ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ)، وَفِي هَذَا كُلِّهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إِلَى الطَّعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَارَ الْحُكْمُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا" انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ولكن يجب ألا يُتخذ ذلك عادة، بحيث لا يقدم عشاؤه إلا وقت الصلاة ؛ لأن هذا يعني أنه مصمم على ترك الجماعة ، لكن إذا حدث هذا على وجه المصادفة، فإنه يعذر بترك الجماعة ، ويأكل حتى يشبع ؛ لأنه إذا أكل لقمة أو لقمتين ربما يزداد تعلقاً به" انتهى من فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 13 / السؤال " 588 " ) .
ينظر: إجابة رقم (20958).
خامسًا:
يكره صلاةُ الحاقِنِ، والحاقِبِ باتفاق المذاهب الأربعة، وحكي إجماعًا.
والحاقِن: هو الذي حُبِس بولُه. ينظر: "النهاية" لابن الأثير (1/416).
والحاقِب: هو الذي احتاجَ إلى الخلاء، فلم يتبرَّز، فانحصَر غائطُه. ينظر: "النهاية" (1/411).
قال ابنُ عبد البَرِّ رحمه الله: "أجمَع العلماءُ على أنَّه لا يَنبغي لأحدٍ أن يُصلِّي وهو حاقنٌ" انتهى من"الاستذكار" (2/296).
وقال ابنُ العربيِّ رحمه الله: "وأجمعتِ الأمَّة على منْعه" انتهى من "عارضة الأحوذي" (2/155).
وانظر: "تبيين الحقائق" (1/164)، "المجموع" للنووي (4/105)، "الإنصاف" (2/92).
قالت عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: "لا صَلاةَ بحَضرةِ الطَّعامِ، ولا هو يُدافِعُه الأخبثانِ" رواه مسلم (560).
وانظر: إجابة رقم (347677).
سادسًا:
يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود.
عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "ألَا وإنِّي نُهيتُ أنْ أقرأَ القرآنَ راكعًا أو ساجدًا" رواه مسلم (479).
واختلفوا هل الكراهة هنا للتحريم أو للتنزيه؟
قال ابن تيمية رحمه الله : "وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك على قولين، هما وجهان في مذهب الإمام أحمد؛ وذلك تشريفا للقرآن، وتعظيما له أن لا يقرأ في حال الخضوع والذل" انتهى من "مجموع الفتاوى" (23/58).
وقال ابن رجب رحمه الله: "وأكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعاً .
وهل الكراهة للتحريم ، أو للتنزيه ؟ فيه اختلاف .
وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز.
ومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا: أنه مكروه
وهل تبطل به الصلاة ، أو لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا . والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك" انتهى . "فتح الباري لابن رجب" (6/28) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "لا يجوز للمصلي أن يقرأ القرآن وهو راكع ، ولا أن يقرأ القرآن وهو ساجد" انتهى ."اللقاء الشهري" (1/186). وانظر: إجابة رقم (129591).
سابعًا:
انشغال القلب في الصلاة بغير الصلاة.
ويستفاد هذا من حديث الحاقب والحاقن، وتقديم الطعام إذا حضر على الصلاة، كما تقدم.
قال ابنُ حزم رحمه الله: "واتَّفقوا أنَّ الفِكرة في أمور الدُّنيا لا تُفسِد الصلاة" انتهى من "مراتب الإجماع" (ص: 29).
وتعقَّبه ابن تيميَّة قائلًا: "قلتُ: إذا كانت هي الأغلبَ، ففيها نزاعٌ معروف" "نقد مراتب الإجماع" (ص: 290).
وقال ابن تيمية رحمه الله: "واتَّفقوا كلُّهم على أنَّ ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيويَّة وطلب، لا يُبطِل الصلاةَ، وإنما يُبطلها التكلُّمُ بذلك" انتهى من "مجموع الفتاوى" (7/132-133).
ثامنًا:
رفْعُ البَصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ.
لحديثُ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: "ما بالُ أقوامٍ، يَرفعونَ أَبصارَهمْ إلى السَّماءِ في صلاتهمْ! فاشْتَدَّ قولُهُ في ذلكَ، حتى قال: ليَنْتَهُنَّ عن ذلكَ، أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهُمْ " رواه البخاري (750).
وحديثُ جابرِ بنِ سمرة رَضِيَ اللهُ عَنْهما، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: "لَينتهينَّ أقوامٌ يرفعونَ أبصارَهم إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ، أو لا ترجعُ إليهم" رواه مسلم (428).
واختلف أهل العلم في حكم رفع البصر إلى السماء في الصلاة ، على قولين:
القول الأول: يكره رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وذلك باتفاق المذاهب الأربعة، وحكي الإجماع على ذلك .
قال ابنُ بطَّال رحمه الله: "العلماء مجمِعون... على كراهية النَّظر إلى السَّماء في الصَّلاة" انتهى من "شرح صحيح البخاري" (2/364).
وانظر: "تبيين الحقائق" (1/163)، "مواهب الجليل" (2/261)، "تحفة المحتاج" (2/161)، "كشاف القناع" (1/370).
القول الثاني: يحرم رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وهو قول ابن حزم، واختاره ابن تيمية، وابن باز ، وابن عثيمين .
قال ابنُ حزم رحمه الله: "ولا يَحِلُّ للمصلِّي أن يَرفَعَ بَصرَه إلى السَّماء، ولا عندَ الدُّعاء في غير الصَّلاة" "المحلى" (2/330).
وقال ابنُ تَيميَّة رحمه الله: "فلمَّا كان رفْع البصر إلى السماء ينافي الخشوعَ، حرَّمَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتوعَّد عليه" "مجموع الفتاوى" (22/559).
وقال الشيخ ابنُ باز رحمه الله: "رفْع البصر إلى السَّماء وقتَ الصلاة لا يجوز" "فتاوى نور على الدرب" (9/228).
وقال الشيخ ابنُ عُثيمين رحمه الله: "وأما النَّظَرُ إلى السَّماءِ – يعني: في الصلاة- فإنَّه محرَّم، بل مِن كبائر الذُّنوب، ... وهذا وعيدٌ، والوعيد لا يكون إلَّا على شيء مِن كبائر الذنوب، بل قال بعضُ العلماءِ: إنَّ الإنسان إذا رَفَعَ بصرَه إلى السماءِ وهو يُصلِّي بطَلتْ صلاتهُ" "الشرح الممتع" (3/40).
قال العيني رحمه الله: "النهي الأكيد والوعيد الشديد، وكان ذلك يقتضي أن يكون حرامًا كما جزم به ابن حزم، حتى قال: تفسد صلاته، لكن الإجماع انعقد على كراهته في الصلاة" "عمدة القاري" (5/309). يعني: الإجماع منعقد قبل ابن حزم رحمه الله.
تاسعًا:
تَشْميرُ المُصلِّي ثوبَه وعَقْصُ رأسِه .
التشمير بمعنى الكف يعني الرفع . انظر: " تعليقات ابن عثيمين على الكافي (2/ 14).
قال ابن الأثير رحمه الله: "وأصل العقص: اللي. وإدخال أطراف الشعر في أصوله". النهاية (3/275).
قال النووي رحمه الله :" اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، أو كمه، أو نحوه، أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك؛ فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء ، وهو كراهة تنزيه ، فلو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته.
واحتجَّ في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبريُّ بإجماع العلماء"انتهى من "شرح مسلم"(209).
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمرتُ أنْ أَسجُدَ على سَبعةِ أَعظُمٍ: الجبهةِ، وأشارَ بيدِه على أنفِه، واليديْن، والرِّجليْن، وأَطرافِ القَدَميْنِ, ولا نَكْفِتَ الثيابَ ولا الشَّعرَ" رواه البخاري (809)، ومسلم (490).
" قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ" "نيل الأوطار" (2/393). وانظر: إجابة رقم (191390).
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "يُكره أن يكفَّ الإنسانُ كُمَّه في الصَّلاة، أو يَلُفَّه.
وكفُّ الكُمِّ: أن يجذبه حتى يرتفع. وَلَفُّهُ: أن يطويه حتى يرتفع. قال فقهاؤنا: ولا فرق بين أن يفعل ذلك عند الصَّلاة، من أجل الصَّلاة، أو أن يفعل ذلك لعمل قبل الصَّلاة.
والدليل: قولُ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: أُمِرْتُ أن أسجُد على سَبْعَة أَعْظُم، ولا أكُفَّ شَعْراً ولا ثَوْباً (رواه البخاري(810)، ومسلم (490).
قالوا: ونهيه يشمل كفّ الثوب كلِّه، كما لو كفَّه من أسفل، أو كفَّ بعضه كالأكمام... ولفُّ الثوب أيضاً بأن يطويه حتى يحزمه على بطنه، كلُّ هذا مكروهٌ للحديث.
ولأنه ليس من تمام أخذ الزِّينة، فإنَّ أخذ الزِّينة عند الناس أن يكون الثَّوب مرسلاً غير مكفوف، ثم إن الإنسان قد يفعله ترفُّعاً؛ لئلا يتلوَّث ثوبُه بالتُّراب فيكون في هذا نوعٌ من الكبرياء.
ثم إنه ينبغي أيضاً أن ينتشر الثوبُ ولا يُكفَّ؛ لأنه ربما يُؤجَر الإنسان على كلِّ ما يتَّصل به مما يُباشر الأرض، فلهذا يُكره كَفُّ الثَّوب" انتهى من "الشرح الممتع" (2/194).
وينظر للفائدة: الإنصاف، للمرداوي (3/ 250، 252).
وانظر: إجابة رقم (96280)، (163428).
عاشرًا:
يكره وضع اليد على الخاصرة في الصلاة ، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة.
انظر: "الهداية" (1/63)، "مواهب الجليل" (2/262)، "المجموع" (4/97)، "كشاف القناع" (1/372).
(الخاصرة) من الإنسان: ما بينَ رأسِ الوَركِ وأسفلِ الأضْلاعِ، وهما خاصرتان. يُنظر: "المعجم الوسيط" (1/237).
واستظهر بعضُ الحنفيَّة أنَّ الكراهة تحريميَّة؛ قال ابنُ عابدين: "قال في البَحر: والذي يظهر أنَّ الكراهة تحريميَّةٌ في الصلاة؛ للنهي المذكور. اهـ" "حاشية ابن عابدين" (1/643).
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "نَهَى أن يُصلِّي الرجلُ مُختصِرًا" رواه البخاري (1220)، ومسلم (545).
قال ابن حجر رحمه الله: "قال ابنُ سِيرين: هو أن يَضعَ يدَه على خاصرتِه وهو يُصلِّي، وبذلك جزم أبو داود، ونقَلَه الترمذيُّ عن بعضِ أهل العلم، وهذا هو المشهورُ من تفسيره" انتهى من "فتح الباري" (3/89).
وفي بدائع الصنائع (1/ 215): "نهينا عنه .. لأن فيه ترك سنة اليد وهي وضع اليمنى على اليسرى" انتهى.
الحادي عشر:
يكره تشبيك الأصابع في الصلاة، وذلك باتفاق المذاهب الأربعة.
تبيين الحقائق (1/162)، مواهب الجليل (2/261)، المجموع (4/105)، كشاف القناع (1/372).
قال ابنُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما في الذي يُصلِّي وهو يُشبِّكُ أصابَعه: "تِلكَ صلاةُ المغضوبِ عَليهِم" رواه أبو داود (993)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (3716)، وصحَّحه الألباني.
انظر: إجابة رقم (36801)، (322850).
الثاني عشر:
يكره البصاق جهة اليمين، أو جهة القبلة في الصلاة، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
"حاشية الطحطاوي" (ص: 236)، "التاج والإكليل" للمواق (6/14)، "المجموع" للنووي (4/100)، "الإنصاف" للمرداوي (2/75).
روى البخاري (416) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ، فَلاَ يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا".
قال النوويُّ رحمه الله: "وإذا عرَض للمُصلِّي بصاقٌ؛ فإنْ كان في مسجدٍ حرُم البصاق فيه، بل يَبصُق في طرفِ ثوبِه من جانبه الأيسر، ككُمِّه وغيرِه، وإنْ كان في غيرِ المسجد لم يحرُم البصاقُ في الأرض؛ فله أن يَبصُقَ عن يسارِه في ثوبِه، أو تحتَ قدمِه، أو بجَنبِه، وأولاه في ثوبه، ويحكُّ بعضَه ببعض أو يدعه، ويُكره أن يَبصُق عن يمينه أو تلقاءَ وجهه، وإذا بصَق في المسجد فقد ارتكبَ الحرام، وعليه أن يدفنَه" "المجموع" (4/100).
وقال ابنُ عُثيمين رحمه الله: "إنْ كان في المسجدِ؛ قال العلماء: فإنه يجعل البصاقَ في خِرقة أو مِنديل أو ثوبه، ويحكُّ بعضه ببعض حتى تزولَ صورةُ البصاق، وإذا كان الإنسان في المسجدِ عند الجدار، والجدارُ قصيرٌ عن يسارِه، فإنَّه يمكن أن يبصقَ عن يسارِه إذا لم يؤذِ أحدًا من المارَّة". "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (8/424).
وانظر: إجابة رقم (354373)، (483311).
الثالث عشر:
تغميض العينين في الصلاة بدون حاجة.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم تغميض العينين في الصلاة.
فقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (27/105):
"ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية - إلى كراهة تغميض العينين في الصلاة ... واستثنوا من ذلك التغميض لكمال الخشوع، بأن خاف فوت الخشوع بسبب رؤية ما يفرق الخاطر؛ فلا يكره حينئذ، بل قال بعضهم: إنه الأولى. قال ابن عابدين: وليس ببعيد.
قال المالكية: ومحل كراهة التغميض: ما لم يخف النظر لمحرم، أو يكون فتح بصره يشوشه، وإلا فلا يكره التغميض حينئذ.
واختار النووي: أنه لا يكره - أي تغميض العينين - إن لم يخف منه ضررا على نفسه، أو غيره فإن خاف منه ضررا كره" انتهى.
والتحقيق ما قاله ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/283):
"ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة، وقد تقدم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء، ولا يجاوز بصره إشارته" ...
وقد اختلف الفقهاء في كراهته، ... والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع، لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه: فهنالك لا يكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم". انتهى.
الرابع عشر:
يكره افتراش الذراعين في السجود كانبساط الكلب أو افتراش السبع.
حاشية ابن عابدين (1/644)، حاشية العدوي (1/270)، "المجموع" (3/431)، منتهى الإرادات (1/224).
عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "اعتدِلوا في السُّجودِ، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعَيْهِ انبساطَ الكلبِ" رواه البخاري (822)، ومسلم (493).
انظر: إجابة (148997).
الخامس عشر:
يكره التَّلَثُّمُ في الصلاة.
وضابط اللثام عند الحنفية والشافعية والحنابلة: تغطية الفم والأنف.
في حاشية ابن عابدين (1/ 652): "(قوله والتلثم) وهو تغطية الأنف والفم في الصلاة" انتهى.
وفي شرح المقدمة الحضرمية (ص: 282): "وتغطية الفم والأنف" انتهى.
وفي شرح المنتهى للبهوتي (1/ 156): "(و) كره أيضا في صلاة (تغطية وجه، وتلثم على فم وأنف)" انتهى.
وعند المالكية اللثام: هو "تغطية الشفة السفلى" شرح الخرشي (1/250).
ولا فرق في هذا بين الذكر والأنثى.
قال ابن عبد البر في التمهيد (6/ 364-365):
"وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة... وأجمعوا (على) أنها لا تصلي متنقبة" انتهى.
أما إذا كانت في وسط رجال أجانب فتغطي وجهها. انظر: إجابة رقم (45871).
وقد ورد في النهي عن اللثام حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ رواه أبو داود (643)، وابن ماجه (966)، وصححه ابن خزيمة (772)، وابن حبان (2347)، وحسنه الألباني.
السادس عشر:
يكره اشتمال الصماء في الصلاة وفي غيرها لغير المحرم؛ وهو كالاضطباع للمحرم.
- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ رواه البخاري (367).
في فتح الباري لابن رجب (2/ 394): "قد تضمن الحديثان - معا - النهي عن لبستين، وسواء في ذلك حال الصلاة وغيرها" انتهى.
قال ابن رجب رحمه الله:
"فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسة الصماء: هو أن يلبس ثوبًا واحدًا - وهو الرداء - فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفا، فتبدو عورته منه، وبذلك فسر الصماء أكثر العلماء، ومنهم: سفيان الثوري، وابن وهب، وأحمد، وأبو عبيد، وأكثر العلماء..."
وقال: "قال أبو عبيد: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده، وربما اضطبع فيه على تلك الحال.
قال أبو عبيد: كأنه ذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يتقيه بيده فلا يقدر على ذلك.
قال: وأما تفسير الفقهاء؛ فإنهم يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه.
قال أبو عبيد: "والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصح معنى في الكلام".
قال ابن رجب رحمه الله: وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن جدًا" انتهى من "فتح الباري" (2/397-398). وانظر: إجابة رقم (295664).
السابع عشر:
السدل.
قال ابن تيمية رحمه الله: "قال أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: والسدل أن يسدل أحد طرفي الإزار ولا ينعطف به عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب وغيره" انتهى. في اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 382).
وفي الحديث من طريق عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ رواه أبو داود (643)، والترمذي (378)، وابن ماجه (966). قال ابن مفلح في المبدع (١/٣٧٤): "رواه أبو داود بإسناد حسن". وتقدم.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي، وابن عقيل من أن السدل: هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء، وإن كان الإسبال والجر منهيًا عنه بالاتفاق، والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل". انتهى من " اقتضاء الصراط المستقيم" (1/383).
وفي مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص: 60):
قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: السَّدْلُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ.
وقال ابن تيمية رحمه الله: "روي عن عطاء (راوي حديث السدل)، من وجوه جيدة: أنه كان لا يرى بالسدل بأسا، وأنه كان يصلي سادلا. فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث، ثم لما بلغه رجع، أو لعله نسي الحديث.
والمسألة مشهورة، وهو: عمل الراوي بخلاف روايته، هل يقدح فيها؟
والمشهور عن أحمد وأكثر العلماء: أنه لا يقدح فيها؛ لما تحتمله المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث" انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (1/379).
قال الترمذي في جامعه (1/488):
"وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ.
فَكَرِهَ بَعْضُهُمُ السَّدْلَ فِي الصَّلاَةِ، وَقَالُوا: هَكَذَا تَصْنَعُ اليَهُودُ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كُرِهَ السَّدْلُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَأَمَّا إِذَا سَدَلَ عَلَى القَمِيصِ فَلاَ بَأْسَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ".
قال ابن تيمية رحمه الله: "وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد. وعنه أنه إنما كرهه فوق الإزار دون القميص؛ توفيقا بين الآثار في ذلك، وحملا للنهي على لباسهم المعتاد" انتهى من "الاقتضاء" (1/381).
أما لبس البشت والجاكيت . فسواء أدخل يديه في الكمين أم لا ، فلا كراهة ، وليس من السدل.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (2/191) :
"ولكن إذا كان هذا الثَّوب مما يلبس عادة هكذا، فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طَرْح القَبَاءَ على الكتفين من غير إدخال الكمَّين لا يدخل في السَّدْلِ . والقَبَاء يُشبه ما يُسمَّى عندنا الكوت أو الجُبَّةَ" انتهى. انظر: إجابة رقم (442841).
السابع عشر:
الإقعاء:
الإقعاء له صور:
الأولى: أن يجعل ظهور قدميه على الأرض، ويجلس على عقبيه.
وهذه الصورة هي المعتمدة في مذهب الحنابلة، (الإنصاف ٢/٩٢، شرح المنتهى (1/207).
الثانية: أن يجعل أصابع قدميه في الأرض، وتكون عقباه قائمتين، والإليتان بين عقبيه، وهذه ذكرها المجد في المحرر ١/٧٧، وانظر حاشية عثمان ١/٩٩.
الثالثة: أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض.
وهذا تفسير أهل اللغة كأبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام رحمهما الله.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (2/108).
قال النووي رحمه الله في شرحه مسلم (4/215): "وهو مكروه باتفاق العلماء" انتهى.
وهذه الصفة يحرمها الحنفية، والمالكية.
قال ابن عابدين في حاشيته (1/643): "وفسره الطحاوي: بأن يقعد على أليتيه وينصب فخذيه ويضم ركبتيه إلى صدره واضعا يديه على الأرض... فإن فسر بما قاله الطحاوي، وهو الأصح كان مكروها تحريمًا" انتهى.
الرابعة: أن ينصب قدميه ويجلس على صدور قدميه، ويجلس على عقبيه.
و"العقب: مؤخر القدم" ، كما في فتح الباري لابن حجر (1/266).
واختلف العلماء في حكم هذه الصورة:
القول الأول: يكره، وهو قول الجمهور (من الحنفية، والمالكية، والحنابلة).
حاشية ابن عابدين (1/643)، التاج والإكليل (1/550)، المحرر للمجد(1/77).
وقَالَ أَبُو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (1/ 210): "وَأما تَفْسِير أَصْحَاب الحَدِيث فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ الإقعاء أَن يضع أليتيه على عَقِبَيْهِ بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ: عَقِبُ الشَّيْطَان، الَّذِي جَاءَ فِيهِ النَّهْي، عَن النَّبِيّ صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم، أَو عَن عُمَر: أَنه نهى عَن عقب الشَّيْطَان" انتهى.
قال الإمام مالك رحمه الله: "ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهى عن الإقعاء ويكرهه" انتهى من "المدونة" (1/168).
في الجامع لابن يونس (2/514): "قال مالك في المجموعة: والإقعاء أن يرجع إلى صدور قدميه في الصلاة" انتهى.
القول الثاني: يستحب، وقد روى البويطي عن الشافعي استحبابه، واستحبه النووي وابن الصلاح والبيهقي.
انظر: روضة الطالبين (1/235)، شرح النووي على مسلم (5/19)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (3/37).
وجاء في حاشية الجمل على شرح المنهج (1/ 342): "ومن الإقعاء نوع مسنون عند جمع، منهم النووي، بين السجدتين، وإن كان الافتراش أفضل منه، وهو أن يفرش رجليه أي: أصابعهما ويضع أليتيه على عقبيه" انتهى.
واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه (536) عن طاووس رحمه الله: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ!! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى عبد الرزاق في مصنفه (2/ 258) بسنده عن طاووس، "أنه رأى ابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس يقعون بين السجدتين" وزاد البيهقي في السنن الكبرى (3/602): "رأيتُ ابنَ عمرَ وابنَ عباسٍ وهُما يقُعيانِ بَينَ السَّجدَتَينِ على أَطرافِ أَصابِعِهِما ". والأثر صحيح.
وأجابوا عن حديث عائشة في صحيح مسلم (498) "وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ".
"قال النووي في الخلاصة: قال بعض الحفاظ ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح؛ إلا حديث عائشة" انتهى من "التلخيص الحبير" (1/552).
وقال في أحاديث النهي عن الإقعاء: "وأسانيدها كلها ضعيفة" الشرح على مسلم (5/19).
وقال في شرحه على مسلم (4/213، 215): "(وكان ينهى عن عقبة الشيطان)، هو الإقعاء الذي فسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه؛ وهو أن يلصق ألييه بالأرض، وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلب وغيره من السباع.
... وأما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا في حديث ابن عباس أنه سنة؛ فهو غير هذا" انتهى.
الترجيح: جمعًا بين النصوص: فإن الأصل في الجلوس والقعود في الصلاة أن يكون بالافتراش، وفي التشهد الأخير بالتورك، وهي التي عليها غالب النصوص، فإن حصلت حاجة من مرضٍ أو كبر سن، أو كانت الأرض مؤلمة لمفترش بسبب حصوات أو شدة حرارة مثلًا، أو لا يستطيع أن يفترش لكونه ضخم الجسم: جاز له الجلوس على عقبيه، كأثر العبادلة رضي الله عنهم.
لما رواه مالك بسند صحيح في الموطأ (2/122) ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (2/194)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/614) عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ؛ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَرْجِعُ فِي سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلاَةِ، عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ ذُكَرَ لَهُ ذلِكَ. فَقَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلاَةِ. وَإِنَّمَا أَفْعَلُ هذَا مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي".
انظر: إجابة رقم (104434)، الجامع في أحكام صفة الصلاة للدبيان ص402-411.
وابن عمر رضي الله عنهما قد عُرف بشدة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم حتى في المباحات، فكونه ينفي سنية الإقعاء، مع أنه كان يفعلها: فهذا يدل على أن عامة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها إقعاء، ولا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أحيانًا لما ثقل في آخر حياته.
في فتح العزيز للرافعي (3/285): "وإذا قعد المعذور: فلا يتعين للقعود هيئة؛ بل يجزئه جميع هيئات القعود" انتهى.
وجاء في المغني لابن قدامة (1/ 376):
"وقد نقل مهنا عن أحمد أنه قال: لا أفعله، ولا أعيب من فعله. وقال: العبادلة كانوا يفعلونه. وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير" انتهى.
وقال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد تعليقًا على أثر عبد الرزاق في إقعاء العبادلة رضي الله عنهم (16/ 275):
"لا أدري كيف هذا الإقعاء؟ وأما عبد الله بن عمر فقد صح عنه أنه لم يكن يقعي إلا من أجل أنه كان يشتكي، على ما في حديثنا المذكور في هذا الباب، وقال: "إنها ليست سنة الصلاة". وحسبك بهذا. ولهذه اللفظة أدخلنا حديثه هذا في هذا الكتاب، وقد جاء عنه أنه قال: إن رجلي لا تحملاني، ويمكن أن يكون الإقعاء من ابن الزبير كان أيضًا لعذر، وقد ذكر حبيب بن أبي ثابت أن ابن عمر كان يُقعي بعد ما كبر، وهذا يدل على أن ذلك كان منه لعذر، ويمكن أن يكون ذلك من أجل أن اليهود كانوا قد فدعوا يديه ورجليه بخيبر، فلم تعد كما كانت، والله أعلم" انتهى.
تنبيه:
من القواعد المقررة: أن فعل المكروه يباح عند الحاجة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شأن ما ينهى عنه المحرم من اللباس: "إنْ كَانَ مَكْرُوهًا؛ فَعِنْدَ الْحَاجَةِ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/203) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " المكروه تبيحه الحاجة ". انتهى باختصار من "شرح منظومة أصول الفقه وقواعده" (62) . وانظر: إجابة رقم (195914).
والله أعلم.